خليدة تومي وزهور ونيسي وزوجة موريس أودان وغيرهن من رموز الثانوية
من منا لا يرغب في السفر عبر بساط الزمن إلى أحلى أيام شبابه؟.. ومن منا لا يحن إلى تلك الصورة المثلى لمرحلة دخل فيها باب المجد من مدرسة؟.. بل من ثانوية منحته تأشيرة هذا المجد بشهادة البكالوريا.. وتخيل كم هو رائع أن تكون تلك الأيام من سنوات زمن جميل، زمن صدق ومحبة وعطاء وحتى كفاح.
150 تلميذة أكبرهن في 70سنة، وبعضهن التقين زميلاتهن بعد فراق 50 سنة..تعانقن..بكين واستحضرن الأيام السعيدة والمؤلمة..وتحدثن بحنان وحب وتعظيم عن أساتذة جزائريين وحتى فرنسيين كانوا مربيين قبل أن يكونوا مدرّسين.
كانت السعادة تقفز من عيونهن، وملامح تلميذات الزمن الجميل..زمن هواري بومدين وحلاوة الاستقلال، تتجلى في حركاتهن، وفي نظراتهن وعباراتهن، وهن تحين العلم وهن يركضن في ملعب الثانوية كما فعلنا أول مرة وهن لا تتجاوزن 13سنة.. تذوّقن أطباق المطعم فمزجنها وهن يتحدثن بفسيفساء لحظات ماضي جميل ومؤلم شهدته الثانوية من 1958 إلى سنة 2000.
أول التلميذات.. وحكايتهن مع مظاهرات 11 ديسمبر وزوجة موريس أودان
"الشروق" أبحرت معهن في محيط الذكريات إلى البدايات الأولى للثانوية، وإلى سنة 1958، وأحداث 11 ديسمبر 1960 تحديدا.
السيدة حنيفة الكمال ابنة القبة، واحدة من أول التلميذات اللواتي دخلن ثانوية حسيبة بن بوعلي إلى جانب 200 جزائرية، سنة 1958، حيث قالت في قاعة المحاضرات أول أمس، في ذات الثانوية، "أذكر جيدا عندما وطأت قدماي أول مرة هذه المؤسسة، كانت لا تزال أشغال البناء لم تنته في جزء كبير منها. وبعد سنتين من الدراسة هنا، إلى جانب بنات المعمّرين اللائي كنا نفهمهن أن أبناء القرى من الجزائريين أناس محترمون وطيّبون عكس ما كان يشاع عنهم.
"لقد قمنا في 13 ديسمبر 1960، بإضراب في المدرسة دام يوما كاملا، بقينا في ساحة الثانوية تحت برد قارص ومن دون أكل، ورغم غضب إدارة المدرسة وتهديدنا بمعاقبتنا، ظللنا متمسكات بموقفنا..تألمنا كثيرا عن ضحايا مظاهرات 11ديسمبر..كان أهلنا من بينهم" هذا ما قالته السيدة حنيفة عن ماضيها في ثانوية حسيبة بن بوعلي.
عائشة قويدري بوجلطية، التي تترأس حاليا، الجمعية الجزائرية للإطارات النسوية، تلميذة ثانوية حسيبة بن بوعلي بالقبة، دخلتها وعمرها 12سنة وكان ذلك سنة 1960، حيث درست السادسة ابتدائي ما يسمى "السيسيام" وواصلت في نفس الثانوية إلى أن حصلت على شهادة البكالوريا.
وأشارت إلى أن زوجة موريس أودان التي كانت أستاذة الرياضيات في الثانوية تظاهرت أمام المديرة الفرنسية السيدة تونيو، بأنها تعاتبنا على هذا الاحتجاج، عندما سمعت هذه الأخيرة تصرخ في وجهنا وتقول "دعكن من السياسة..اهتممن بدراستكن"، وتواصل السيدة قويدري بشيء من ألم الحنين ولذة التضحيات، حيث أكدت أن زوجة الكاتب موريس أودان شجعتهن في غياب المديرة بمواصلة الإضراب بقولها "كوراج كوراج أيتها الصغيرات".
ولمنظمة الجيش السري الفرنسي ذكرى مع تلميذات حسيبة بن بوعلي
وتذكر السيدة قويدري وهي من الإطارات النسوية الجزائرية حاليا، أحداثا أليمة ولحظات رعب ساورت التلميذات في ثانوية حسيبة بن بوعلي سنة 1962، تزامنت مع منظمة الجيش السري الفرنسي"اواس"، حيث قالت "لن أنسى نوبة الخوف والرعب اللذين خيم شبحهما على حياة تلميذات النظام الداخلي للثانوية.. لقد أصبح مرقدها أشبه بنفق الرعب ليلا فقد كان الغول الذي يسيطر على عقولنا هو منظمة الجيش السري الفرنسي".
وأكدت للشروق، أن هذه المنظمة قتلت تلميذة في نفس الثانوية وهي تقطن في القبة، وكتبت بدمها "نحن لا نهزم"، ساد حينها حسب السيدة قويدري، غضب عارم وسط التلميذات "لقد نزلن بالضرب والمسك من الشعر على كل من تقوم بتمجيد الاستعمار نكاية فينا".
حلاوة الاستقلال والتحدي لإبقاء الثانوية في نفس المستوى
تلميذات السنة الأولى للاستقلال، أعدن تصوير لحظة انعطاف ولحطة نور الحرية في الجزائر، حيث أكدن أن الخوف من منظمة "اواس"، جعل إدارة الثانوية حينها، توقف الدراسة مباشرة بعد عطلة الربيع، إلى غاية السنة الدراسية الموالية مع بداية سبتمبر 1960، وقد قالت السيدة رشيدة محمد لعمارة، وهي أستاذة فرنسية متقاعدة، "إن التحدي كان كبيرا مع بداية الاستقلال، عشن مشاحنات بين فرنسيات وبنات المعمرين والحركى.. حالة نفسية يشوبها خوف داخلي من مجهول.. مجهول مثل شبه مرعب".
وأكدت أنهن بقين ماكثات في البيت من عطلة الربيع إلى غاية سبتمبر أول أيام الدراسة في ظل الاستقلال، وأن هذه البداية كانت صعبة تحمل تحديا وخوفا معا، وتصديا لابتزاز وتشنج بين فئتين من التلميذات. وتضيف "لكن حلاوة الاستقلال كانت تبعث فينا من حين لآخر نشوة حب الدراسة وسعيا دائما لبرهنة أننا يمكن أن ندرس ونبني بلادنا دون الفرنسيين.. بل دون الإدارة الفرنسية".
تؤكد من جهتها، السيدة عائشة قويدري، أن تلميذات حسيبة بن بوعلي، أخذن العزم أن تبقى الثانوية متألقة ومكافحة لتكون حقل زرع بذور جزائرية تنمو وتنمو لتعطي سيدات عظيمات جديرات ببناء الجزائر المستقلة.
زيارات هواري بومدين..الرمزية الوطنية للتلميذات
وافتخرت تلميذات الثانوية اللواتي درسن سنوات الستينيات، برموز ثورية وسياسية وحتى فنية، تردّدوا عليهن لتشجيعهن، وإشعارهن أن الجزائر تنتظرهن في معركة الجهاد الأكبر، حيث قالت إحداهن إن هواري بومدين زار الثانوية في الذكرى الثانية للاستقلال وكان الاحتفال كبيرا، قال حينها عندما رأى تلميذات يرتدين تنورات قصيرات مصطفات في نظام ويبدو عليهن نوع من الحياء وهن يحاولن جدبها إلى ما تحت الركبة "لا يهم أن تضفن إلى التنورات سنتيمات.. المهم أن تدرسن وتنجحن".
وعبرن عن شعور تسترجعه الذاكرة من حين لآخر، فمن رؤيتهن للرئيس هواري بومدين يقف أمامهن في المناسبات الوطنية، إلى والدة ووالد الشهيدة حسيبة بن بوعلي، وهما يقدمان الجوائز للناجحات إلى الكاتب ياسين وهو يلعب دورا متواضعا رفقتهن على خشبة مسرح الثانوية، وتعود إليهن دروس عبد اللطيف سلطاني، وجديته حيث تقول إحدى تلميذاته "كان يعلمنا التربية المدنية وطريقة الحياة".
خير خلف لخير سلف
لوم وعتاب تجسدت في أحاديث تلميذات حسيبة بن بوعلي، اللواتي هن اليوم أستاذات ومديرات، تجاه موظفي قطاع التعليم الذين يردّدون دائما في الأقسام الدراسية "لم نأت لنربي ..جئنا لندرس وفقط".
السيدة جبالي نصيرة درست بين 1971 و1978، في ثانوية حسيبة بن بوعلي وهي اشتغلت أستاذة لغة إسبانية قالت إنها حافظت على نفس طريقة أستاذتها فقط اهتمت بالجانب التربوي بقدر اهتمامها بالدروس، تضيف "كنا ندرس التربية المدنية وليست الإسلامية كان أساتذتنا من خريجي عبد الحميد بن باديس وكان الانضباط رمزنا".
والسيدة نظيرة حدوي عمراني الحاصلة على بكالوريا 1979 من ثانوية حسيبة بن بوعلي، وهي الآن مديرة ثانوية عمر راسم بالجزائر الوسطى، ترى أن الظروف والأساليب تغيرت، وحتى العلاقة بين التلميذ والتلميذ وبين هذا الأخير والمدرس تغيرت. وقالت "نحن نعمل قدر المستطاع على تجسيد ما أخذناه من أساتذتنا في ثانوية حسيبة بن بوعلي.
لقاء بعد 50سنة.. وأغنية ڨروابي تسافر بهن لسنّ العشرين
"اليوم يومنا..تركنا الأولاد والأزواج وجئنا هنا لنستحضر الذكرى، ونعيش كتلميذات" قالتها السيدة زينب أستاذة جامعية، في وقت كن كثيرات يتعانقن وتتدفق من ألسنتهن مقتطفات لأروع لحظات جمعتهن في هذه الثانوية وهن تلميذات في سنوات صعبة لكنها حلوة وجميلة على حد قول إحداهن.. وعلى أنغام أغنية "البارح كان في عمري عشرين" للراحل الهاشمي ڨروابي، رحن يرقصن وكأنهن يحلقن بعيدا ومن نفس المكان لزمن يعيد ذاكرة ثانوية حسيبة بن بوعلي.
تتعانق السيدة فتيحة زيتون مستثمرة فلاحية، مع نصيرة زيتوني، طويلا، فمنذ 49 سنة لم تلتقيا، فقد جمعتهما في ثانوية حسيبة بن بوعلي بداية من 1962 إلى غاية 1969، الزمالة والتفاهم والحب على طلب العلم.
طبيبة تملك عيادة خاصة في منطقة بوفاريك، بمجرد أن دخلت الثانوية راحت تردد بأعلى صوتها "كم
جميل أن تعود إلى مكان غبت عنه 40 سنة وتلتقي بمن قاسموك أيام دراستك وأنت دون العشرين".